عادةٌ لا تُوكَل لأحد: في مسؤولية الأولياء عن غرس المطالعة
يُكتب الكثير عن أهمّية المطالعة للطفل: كيف تنمّي لغته، وتوسّع خياله، وتبني وعيه. ويُكتب مثله عن مخاطر الشاشات، وما تحمله الأدوات الإلكترونية الجديدة من تهديدٍ لانتباه الطفل ونومه وتوازنه. وكلّ ذلك صحيح، ولا حاجة إلى إعادته.
لكنّ ما يقلّ الحديث عنه هو الأصعب والأهمّ: أنّ غرس المطالعة في الطفل ليس مسألة اقتناع بقيمتها، بل مسألة مثابرةٍ طويلة النَّفَس من الوليّ نفسه. فالأولياء جميعًا تقريبًا مقتنعون بأنّ القراءة مفيدة؛ لكنّ القناعة وحدها لا تصنع قارئًا. ما يصنعه هو الإصرار اليوميّ الهادئ، الذي لا يَكِلّ ولا يستسلم عند أوّل عزوفٍ أو ملل.
القراءة عادةٌ تُزرع، والعادات لا تُزرع في يومٍ ولا في أسبوع. سيمرّ الطفل بمراحل يرفض فيها، ويملّ، ويفضّل عليها كلّ شيء آخر. وهنا تحديدًا يُختبر الوليّ: هل يتراجع فيستسلم، أم يواصل بصبرٍ دون أن يجعل من القراءة عقابًا أو معركة؟ الغرس الحقيقيّ يحدث في هذه اللحظات بالذات — لحظات المقاومة، لا لحظات الحماس.
ثمّ إنّ هناك حقيقةً يجب أن يواجهها كلّ وليّ بوضوح:
لا المدرسة وحدها، ولا الكتاب مهما كان جميلًا، ولا أيّ نشاطٍ خارجيّ، يغني عن الوليّ في هذا. هذه الجهات تُعين وتُكمّل، لكنّها لا تحلّ محلّ البيت الذي فيه يرى الطفل والديه يقرآن، ويجد الكتاب في متناوله، ويُصغى إليه وهو يقرأ. القدوة والمواظبة لا تُشترى ولا تُفوَّض؛ إنّها تُصنع يومًا بعد يوم، بيدِ الوليّ وصبره.
وهذا ليس عبئًا يُثقل، بل هو أجملُ ما يمكن أن يمنحه وليٌّ لطفله: لا معلومةً تُنسى، بل عادةً ترافقه العمر كلّه. ومن أجل هذا نكتب، ونصنع الكتاب، ونضعه بين يديك — لكنّ الخطوة الأولى، والأخيرة، تبقى لك.
المعرفة حقٌّ، والتفكير حرّ.