الصبر الذي يحيي، والصبر الذي يُميت: حدٌّ دقيق بينهما
صحة نفسية · مدوّنة مساقات الصبر الذي يحيي، والصبر الذي يُميت: حدٌّ دقيق بينهما قليلة هي الكلمات التي تحمل من المعاني المتناقضة ما يحمله «الصبر». نمدح به الإنسان فنعني قوّته، ونطالبه به أحيانًا فنعني خضوعه. وبين هذين المعنيين حدٌّ دقيق، من لم ينتبه إليه قد يحوّل فضيلةً إلى وسيلةٍ لتبرير الأذى. الصبر في معناه الحيّ قوّةٌ فاعلة، لا سكونٌ سلبيّ. هو أن تحتمل صعوبة الطريق لأنّك تسير نحو غاية، وأن تتحمّل ألمَ اللحظة لأنّك تعمل على تغييرها. هذا الصبر يمنح النفس ثباتًا، ويحفظها من اليأس، ويجعل من الانتظار فعلًا لا استسلامًا. إنّه صبر الطالب على دراسته، والمريض في رحلة شفائه، وصاحب المشروع على تعثّراته الأولى — صبرٌ يشدّ من الأزر لأنّه مشدودٌ إلى أمل. لكنّ الكلمة نفسها قد تنقلب إلى نقيضها. فحين يتحوّل الصبر إلى احتمالٍ دائمٍ لما لا ينبغي احتماله، يصير خضوعًا. وحين يُطلب من إنسانٍ أن «يصبر» على ظلمٍ يمكن رفعه، أو أذًى يمكن إنهاؤه، أو وضعٍ يقتل روحه ببطء — فإنّ ما يُطلب منه ليس الصبر، بل الاستسلام مُتنكّرًا في ثوب الفضيلة. الفيصل بينهما سؤالٌ واحد: هل يقودك صبرك إلى الأمام، أم يُقعدك حيث أنت؟ الصبر الحيّ حركةٌ نحو حلّ؛ والصبر الميت سكونٌ يُسمّى تحمّلًا. الأوّل يحفظ الكرامة، والثاني يُهدرها ببطء. ولذلك فإنّ أخطر ما يُقال لإنسانٍ يتألّم: «اصبر»، دون أن نسأل: أصبرٌ على طريقٍ نحو الخلاص، أم صبرٌ على البقاء في الألم؟ أن نعتني بصحّتنا النفسية يعني، من بين ما يعنيه، أن نميّز هذين الوجهين. أن نصبر حين يكون الصبر جسرًا، وأن نرفض حين يصير الصبر سجنًا. فليست كلّ مثابرةٍ فضيلة، وليس كلّ رفضٍ عجزًا — بل الحكمة في أن نعرف، في كلّ موقف، أيّ